محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

130

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

العطاء ، فذلك لعدم فهمه وقصور علمه . وإنما الأكمل والأفضل له أن يألم بالعطاء ويلذّ بالمنع كما قال إبراهيم الخوّاص رضي اللّه عنه : لا يصحّ الفقر للفقير حتى يكون فيه خصلتان : إحداهما : الثقة باللّه تعالى . والأخرى : الشكر للّه فيما روى عنه مما ابتلى به غيره من الدنيا ولا يكمل الفقير حتى يكون نظر اللّه له في المنع أفضل من نظره له في العطاء . وعلامة صدقه في ذلك : أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء ولا يعرفه غير باريه الذي خصّه بمعرفته وأياديه ، فهو لا يرى سوى مليكه ، ولا يملك إلّا ما كان من تمليكه ، وكلّ شيء له تابع ، وكلّ له خاضع » ا ه . ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببا في الوصول . ينبغي أن لا ينظر العبد إلى صور الأشياء ، ولينظر إلى حقائقها ، فصور الطاعات لا تقتضي وجود القبول لها ، لما قد تضمنّه من الآفات القادحة في الإخلاص فيها ، وذلك مانع من وجود القبول لها ، ووجود صورة الذنب ألا تقتضي الإبعاد والطرد ، بل ربّما يكون ذلك سببا في وصوله إلى ربّه ، وحصوله في حضرة قربه ، كما قيل : « ربّ ذنب أدخل صاحبه الجنّة » . وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر اللّه لهم » « 1 » . وذلك أنه يصحبه عند عمله بالطاعة أن يعجب بها ويعتمد عليها ويتكبر بفعلها . ويصحبه عند وقوعه في الذنب اللجاء إلى اللّه تعالى والاعتذار إليه منه ، واستصغار نفسه وتعظيم من لم يفعله ، قال أبو حازم ، رضي اللّه عنه : « إن العبد ليعمل الحسنة تسرّه حين يعملها ، وما خلق اللّه له من سيئة أضرّ له منها . وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها ، وما خلق اللّه له من حسنة أنفع له منها ؛ وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة تسرّه ، فيمتنّ بها . ويرى أن له فضلا على غيره . ولعل اللّه أن يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا ، وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها ، ولعل اللّه أن يحدث له بها وجلا حتى يلقى اللّه تعالى ، وإن خوفها في جوفه لباق » . ثم بين المؤلف رحمه اللّه هذا المعنى بقوله :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( توبة ، 11 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 309 ) .